الفستان الاخير

22 June, 2016 | عدد الزوار 800

كوثر خلف حامد

كان عندي خياط واحد فقط منذ ١٥ سنه يعمل بالسعودية على كفالة زوجي اسمه فاروق من الباكستان ولم اعهد منه كل تلك السنوات الطويلة الا كل ادب واخلاق في الكلام والتعامل وكلما كنت اذهب للمخيطة لاستلم لي ثوب او قميص لم يكن ابدا يرفع عينه الى مستوى عيني  احتراما وادبا وكان يحرص على ان يجهز لي الملابس التي اخاطها لي في كرتون او ملفوفه بورق كيلا اتأخر فهو مدرك تماما بانني سيدة اللحظات الأخيرة …كان فاروق رجلا مخلصا في عمله وما كان علي  طيلة كل تلك السنوات الا ان اشخبط الموديل الذي ارغب به على ورقه واختار اللون فيحوله لي بعد ايام قليلة الى ما ارغب به وكأنه يقرا مافي افكاري من أمنيات ..كان فاروق فنانا وليس مجرد خياط ، كان موهوبا في الحياكة بكل معنى الكلمة يملك يدا كما لو انها سحريه جعلته امهر خياط في شارع الماجد .. وفي مرة من المرات  طلبت منه فستان لأحضر به زفاف احدى قريبات زوجي وابلغت فاروق بان حفلة الزفاف ستكون ليلة غد وسالته ان كان يقدر على تجهيز الفستان وبقصته الصعبة التي اخترتها بتلك المدة البسيطة فما كان منه إلا ان هز راسه موافقا دون تردد قائلا “ان شاء الله مدام بيكون حاهز بعد العصر بوكره”  تطمنت في تلك الليلة ونمت بعد ان ارسلت لفاروق مع زوجي قصاصة بها رسمة تقريبة لموديل الفستان الذي كنت ارغب ان يخيط لي مثله وقد كنت قد استوحيته من احد الفستاتين  التي تم عروضها في احد دور الازياء العالمية والتي تم بثها باحد البرامج على قناة mbc وبالفعل ذهبت مع زوجي للمخيطة عصر اليوم التالي وكنت على يقين ان فستاني جاهز وبأنه اروع ما يكون ..نزلت من السيارة وبقي زوجي فيها منتظر امام المخيطة اختصارا للوقت وكي لا يضطر لركن السيارة بعيدا ويضيع وقتي بالانتظار فأتاخر على تلك المناسبة … بدى لي فاروق من خلال واجهة المخيطة الزجاجية منحنيا و بين يديه فستان يطرزه بكل خفة غرزة غرزة و عرفت من لونه الاسود ونوع الشيفون انه فستاني الذي قد طلبت …بقيت صامتة لدقائق حيث فاروق منهمك في فنه  وكان يرافقه في التطريز بنفس الثوب وعلى نفس الطاولة خياط اخر يبدو انه استعان به لينجز المهمة باسرع وقت وما ان مضت عشر دقائق وربما اقل ناولني الفستان وكان تماما كما طلبت بل و اروع مما وصفت له في القصاصة التي ارسلتها له مع زوجي … عدت الى بيتي وانا راضية ولبست الفستان في تلك الليلة لم يعجب زوجي ان لونه اسود لكن الكل مدحه لي في تلك الحفلة ، وقالت لي ام العروس ” فستانك يا كوثر جميل من وين اشتريتيه ؟” “فقلت لها بكل  زهو “هذا شغل خياطنا فاروق وقد صنعه لي في يوم وليلة ” مررت ايام وسنوات على حادثة الفستان و ابتعثت لامريكا وتوقفت فترة عن تفصال الملابس ولكني في اول شهور لي بالغربة  كنت اعاني من عدم وجود ملابس ساترة باسواق المدينة الامريكية التي كنت ادرس فيها الدكتوراة  فكنت اشتري لفاروق القماش خلال وقت اجازتي الدراسية واذهب للمخيطة ومعي رسومات للموديلات التي ارغب فيها فيخيط لي الفساتين الطويلة الساترة  والبسها للجامعة فكانت بهية مريحة والاهم من كل ذلك ساترة … وامس عدت من امريكا قبيل مناقشتي لاطروحه الدكتوراه بشهرين ..همس لي طفلي عزيز في اذني ” ماما فاروق مات من شهرين وهو باجازه في الباكستان ” و من دون ادراك نفرت الدمعة من عيني … وتذكرت كما لمحة من حلم  كيف كان يركض الى البقالة المجاورة للمخيطة عندما يلمحني انا و زوجي قادمين اليه ويجلب لنا الغازيات والعصاير  وبعض من السكاكر لناخذها معنا للاطفال  … والآن مات فاروق وهمي اكبر من انه  لم يعد عندي خياط …  عزائي انا وزوجي اننا لم نرفض له طلبا يوما، رغم انه كان كثير السفر لاهله واطفاله في الباكستان ربما ثلاث مرات سنويا و لكننا لم نكن لنمنعه يوما خاصة وانه يتكفل بتذاكره ..لم نكن نحقره يوما او نسبه او نهينه ولم يكن لستحق.. كان الله يرحمه طيب الروح و دمث الخلق .. دائم التبسط ولا تسقط عن شفيته كلمه “ان شاء الله ” اختفى من كوني فجأة وبلمح البصر …  ولم اكن يوما ادرك انه انسان له بصمة في حياتي ولم اكن أشعر بيوم من الايام انني سوف افقده ، ولم استشعر ابدا طيبة قلبه الا عندما مات…. ،الله يرحمه كان نعم الرجل  ونعم المخلصين لعمله الذي فنى فيه سنوات شبابه …ولسنوات طويلة في المملكة  لم يذمه زوجي ولم تشكوه اي امرأة في المدينة .. كان محبوبا رزينا يمدحه الجميع  ولكنه مات ؟!  و موتته ليست بالشيئ العجيب فالكل سيموت لا محاله اعرف ذلك جيدا واؤمن ان هذه هي سنة الحياة وما علينا الا ان نترحم على من مات قبلنا وندعو الله ان نجد يوما من يترحم علينا .. مات فاروق رحمة الله عليه ولم يبقى منه في قلوبنا انا وزوجي واطفالي وكل من عرفه في دخله الخياطين وكل مكان مشت فيه قدميه يوما  الا كل  ذكر طيب فالى جنات الخلد فاروق … جنات عرضها السموات والارض… وسترك الله في اخرتك كما سترتني بما صنعت يداك يوما .

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading ... Loading ...

التعليقات

لايوجد تعليق، كن أول المعلقين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>