ماذا يقرأ المجتمع؟

20 March, 2016 | عدد الزوار 1,510

37

 

 مكتب الاقتصادية – سفراء

على الرغم من غيابي عن معرض الرياض للكتاب لهذا العام لظروف السفر، فإنني أتابع – من بُعد – ما يدور في أروقة معرض الكتاب، وأشعر بسعادة كبيرة أن يحظى بإقبال كبير؛ وهو ما يعكس اهتمام المجتمع السعودي بالكتاب ووجود الرغبة في القراءة، إذ لا يمكن لمجتمع ما أن ينافس عالمياً ويكسب اهتمام الثقافات الأخرى إذا كان أمياً لا يمارس القراءة ولا يشجع عليها.

ليس أدل على أهمية القراءة من أن “القراءة” كانت أول كلمة خاطب بها جبريل – عليه السلام – نبينا محمد – عليه الصلاة والسلام -، في قوله تعالى:(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ). ولا تخفى على الجميع أهمية القراءة للفرد والمجتمع على حد سواء. فعلى مستوى الفرد، تُعد القراءة مصدراً أساسياً من مصادر التعليم لدى الإنسان، وهي الوسيلة الرئيسة التي تسهم في تنمية الفكر والثقافة وتعزز القدرات اللغوية خاصة القدرات الكتابية، بل هي إحدى وسائل التعلم الذاتي، فكثير من الكُتاب المشاهير قاموا بتعليم أنفسهم ذاتياً من خلال القراءة. ولا يخفى على الجميع أن الأديب المعروف عباس محمود العقاد لم يكمل المرحلة الابتدائية، وغيره كثير من الأدباء والمشاهير الذين أضافوا كثيرا لحياتنا من خلال جهودهم الذاتية في تعليم أنفسهم من خلال القراءة.

والقراءة أيضاً توسع مدارك الإنسان، وتجعله أكثر تفهماً للثقافات الأخرى، كما أنها تهذب قدراته على التعامل مع الآخرين، وتجعله أكثر وعياً بخطورة الكلمة ومسؤوليته تجاهها، ومن ثم تجعله مواطناً صالحاً وفاعلاً في المجتمع الذي يعيش فيه.

وعلى مستوى المجتمع، فإن القراءة تجعل الإنسان وسيلة فاعلة لإنجاح برامج التنمية، وتساعد على تهيئة الأفراد لدعم برامج التنمية والمشاركة فيها بفاعلية، وكذلك استيعاب الأنظمة والاستجابة لها والالتزام بها، كونهم أكثر وعياً بمسؤولياتهم كأفراد في المجتمع.

وعلى الرغم من الإقبال الشديد على معارض الكتاب في الرياض وجدة وغيرها من مدن المملكة، إلا أن الإنسان يتساءل عن الممارسة الفعلية للقراءة والوقت المخصص للقراءة، خاصة مع التقارير التي تشير إلى أن العربي لا يخصص إلا دقائق معدودة من وقته للقراءة. فقد أشارت تقارير – ولو أنها قديمة نسبياً – إلى أن معدل القراءة في الدول العربية لا يتجاوز ست (6) دقائق في السنة مقابل 36 ساعة في الدول الغربية. ولا أدري هل عدم اهتمام وزارات الثقافة في الدول العربية بإحصاءات القراءة يدل على عدم اهتمامها بالقراءة بوصفها إحدى أدوات الثقافة أم أنها منشغلة بشؤون الثقافة وتطويرها من خلال مسابقات الكتاب وتنظيم معارض الكتاب؟!

لنحسن الظن بالمسؤولين عن الثقافة العربية، ولكن هذا لا يُصادر حقنا – كمواطنين عرب – في إبراز وجهات النظر والمطالبة بخدمة الثقافة وبذل مزيد من الجهود الفاعلة، لأن الزمن يمضي بسرعة، والفجوة بيننا وبين الثقافات الأخرى تتسع. فلا جامعة الدول العربية قامت بدورها المأمول، ولا وزارات الثقافة في الدول العربية تحملت مسؤوليتها تجاه رصد معدلات القراءة أو الموضوعات التي يُقبل عليها القراء – الأطفال والشباب والشيوخ – على الرغم من أهمية معرفة معدلات القراءة وموضوعاتها لفئات المجتمع المختلفة حسب النوع (ذكوراً وإناثاً) والأعمار (أطفالاً وشباباً وشيوخاً). ربما يكون هذا الإهمال أحد أسباب تدهور وضع الكتاب العربي من حيث التوزيع والتسويق، فالكتاب العربي يعاني ضعف التوزيع، ولا تتوافر للمؤلف العربي دور نشر تخدمه أو تقدم له المردود المادي المناسب، خاصة إذا كان الكتاب في المجالات العلمية البعيدة عن الرواية والشعر والطبخ، والأهم من ذلك ربما أدى إهمال عدم دراسة معدلات القراءة وموضوعاتها وخصائصها إلى عدم التنبه – مبكراً – إلى التحولات الفكرية التي يمر بها الشباب. من جهة أخرى، فإن الكتاب المسموع الذي يتمتع به الناس في الدول غير العربية منذ عقود لا يزال محدوداً بموضوعات معينة ويعاني توزيعا أقل بكثير من الطموحات، على الرغم من الدور الكبير الذي يمكن أن يؤديه في هذا العصر الذي قد لا يجد الإنسان فيه الوقت للجلوس للقراءة بسبب مزاولة قيادة المركبات أو كثرة السفر والترحال على وسائل النقل المختلفة. في الختام أقدم الشكر والتهنئة للقائمين على معرض الكتاب الدولي في الرياض على جهودهم الرائعة.

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading ... Loading ...

التعليقات

لايوجد تعليق، كن أول المعلقين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>